ابن أبي العز الحنفي

393

شرح العقيدة الطحاوية

والذي يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل : أن النفس جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس ، وهو جسم نوراني علوي ، خفيف حي متحرك ، ينفذ في جوهر الأعضاء ، ويسري فيها سريان الماء في الورد ، وسريان الدهن في الزيتون ، والنار في الفحم . فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف ، بقي ذلك الجسم اللطيف ساريا في هذه الأعضاء ، وأفادها هذه الآثار ، من الحسّ والحركة الإرادية ، وإذا فسدت هذه ، بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها ، وخرجت عن قبول تلك الآثار ، فارق الروح البدن ، وانفصل إلى عالم الأرواح . والدليل على ذلك قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها الزمر : 42 ، الآية . ففيها الإخبار بتوفّيها وإمساكها وإرسالها . وقوله تعالى : وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ ، أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الانعام : 93 ، ففيها بسط الملائكة أيديهم لتناولها ، ووصفها بالإخراج والخروج ، والإخبار بعذابها ذلك اليوم ، والإخبار عن مجيئها إلى ربها . وقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ، ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ الانعام : 60 ، الآية . ففيها الإخبار بتوفي النفس بالليل ، وبعثها إلى أجسادها بالنهار ، وتوفي الملائكة لها عند الموت . وقوله تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ . ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً . فَادْخُلِي فِي عِبادِي . وَادْخُلِي جَنَّتِي الفجر : 27 - 30 . ففيها وصفها بالرجوع والدخول والرضى . وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « إن الروح إذا قبض تبعه البصر » « 516 » . ففيه وصفه بالقبض ، وأن البصر يراه . وقال صلى اللّه عليه وسلّم في حديث بلال : « قبض أرواحكم وردّها عليكم » « 517 » . وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة » « 518 » . وسيأتي في الكلام على عذاب القبر أدلة كثيرة من خطاب ملك الموت لها ، وأنها تخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيّ

--> ( 516 ) مسلم عن أمّ سلمة « أحكام الجنائز » ( ص 25 ) . ( 517 ) صحيح اخرجه البخاري من حديث أبي قتادة وليس من حديث بلال كما هو ظاهر كلام المؤلف . وكذلك أخرجه أحمد وغيره . « صحيح أبي داود » ( 465 ) . ( 518 ) « الصحيحة » ( 995 ) .